تجددت المناقشات القانونية حول نزاع مصر وإثيوبيا بشأن سد النهضة الإثيوبي الكبير، بعدما أشار موقع «ذا بيروتر» إلى موقف وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من المادة 51 في ميثاق الأمم المتحدة، وما إذا كانت التهديدات التي تمس الأمن المائي يمكن أن تبرر اللجوء إلى حق الدفاع عن النفس بموجب القانون الدولي. ويأتي ذلك في ظل تطور النزاع حول السد إلى أحد أكثر الصراعات الجيوسياسية والقانونية تعقيدًا في إفريقيا.


وأشار موقع ذا بيروتر إلى أن إثيوبيا افتتحت سد النهضة في سبتمبر 2025، وأعلنت خططًا لتنفيذ مشروعات إضافية للطاقة الكهرومائية على النيل الأزرق، ما أدخل التوتر بين القاهرة وأديس أبابا مرحلة جديدة. ورغم استمرار مصر في إعطاء الأولوية للدبلوماسية، فإن الإشارة إلى المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة تعكس مدى جدية القاهرة في تعاملها مع قضية النيل باعتبارها مسألة تمس وجودها وأمنها المائي.

 


مصر تستند إلى المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة


جاء التصعيد الأخير عقب تصريحات وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، الذي قال إن مصر سيكون لها الحق في الدفاع عن نفسها بموجب القانون الدولي إذا أدى أي إجراء إلى تعطيل تدفق مياه النيل بصورة كبيرة، مستشهدًا تحديدًا بالمادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة.


وتقر المادة 51 بالحق الأصيل للدول في الدفاع عن نفسها بصورة فردية أو جماعية إذا وقع هجوم مسلح على عضو في الأمم المتحدة. كما تلزم الدول التي تمارس هذا الحق بإبلاغ مجلس الأمن الدولي فورًا بالإجراءات التي تتخذها، على أن تستمر هذه الإجراءات إلى أن يتخذ المجلس التدابير المناسبة للحفاظ على السلم والأمن الدوليين.


وتشير تصريحات عبد العاطي إلى أن القاهرة تنظر إلى الأمن المائي باعتباره جزءًا من الأمن القومي. ويرى بعض الباحثين أن الإجراءات المتعمدة التي تهدد حياة ملايين الأشخاص قد تبرر توسيع تفسير حق الدفاع عن النفس، لا سيما إذا تعمدت سياسات دول المنبع حرمان سكان دول المصب من موارد مائية أساسية.


لكن يظل هذا التفسير محل جدل قانوني واسع.

 


هل يمكن أن تشكل تهديدات المياه عدوانًا مسلحًا؟


وفقًا للتفسير التقليدي للقانون الدولي، لا تنطبق المادة 51 إلا بعد وقوع هجوم مسلح فعلي. ولا تُعد الضغوط الاقتصادية أو النزاعات البيئية أو الخلافات المتعلقة بالموارد، بوجه عام، أعمالًا عدوانية مسلحة.


ومع ذلك، بحثت الدراسات القانونية المعاصرة بصورة متزايدة ما إذا كان الحرمان المتعمد من الموارد الحيوية، ولا سيما المياه، يمكن في ظروف استثنائية أن يشكل عملًا يهدد وجود دولة ما. ويرى بعض الباحثين أنه إذا جرى استخدام المياه عمدًا كسلاح لإحداث تداعيات إنسانية كارثية، فقد يتطور المفهوم القانوني للدفاع عن النفس وفقًا لذلك.


ورغم هذه المناقشات الأكاديمية، لا توجد حتى الآن سابقة قانونية دولية مستقرة تعتبر تشغيل سد، بحد ذاته، هجومًا مسلحًا بالمعنى المقصود في المادة 51.

 


لماذا يمثل سد النهضة أهمية خاصة؟


يُعد سد النهضة أكبر سد لتوليد الطاقة الكهرومائية في إفريقيا، وتزيد قدرته الإنتاجية المركبة على 5 آلاف ميجاواط، فيما تصل سعة خزانه إلى نحو 74 مليار متر مكعب من المياه. وتقول إثيوبيا إن المشروع ضروري لمعالجة النقص المزمن في الكهرباء، وتسريع التصنيع، وتعزيز التكامل الإقليمي في مجال الطاقة من خلال تصدير الكهرباء.


وترى أديس أبابا في السد رمزًا للسيادة الوطنية والتحول الاقتصادي. وكان نحو نصف سكان إثيوبيا يفتقرون تاريخيًا إلى الحصول على كهرباء موثوقة، ما جعل الطاقة الكهرومائية أولوية استراتيجية للتنمية. وواصل المسؤولون الإثيوبيون التأكيد على أن الهدف الأساسي من سد النهضة هو توليد الكهرباء وليس الري، وبالتالي لا يستهلك السد مياه النيل بصورة دائمة.


لكن مصر تنظر إلى القضية من زاوية مختلفة. إذ يأتي أكثر من 90% من مواردها من المياه العذبة من نهر النيل، ما يجعل أي تغيير في تدفقات المياه من دول المنبع مسألة تتعلق ببقائها الوطني. ولا تتركز المخاوف المصرية على توليد الكهرباء من السد في حد ذاته بقدر تركّزها على جداول ملء الخزان، وإدارة فترات الجفاف، وتصريف المياه، وغياب اتفاق قانوني ملزم ينظم تشغيل السد.

 


الخلفية التاريخية والقانونية للنزاع


يعكس النزاع عقودًا من الخلاف حول حقوق استخدام مياه النيل.


واعتمدت مصر تاريخيًا على اتفاقية النيل الأنجلو مصرية لعام 1929 واتفاقية مياه النيل المصرية السودانية لعام 1959، اللتين خصصتا الجزء الأكبر من مياه النيل للدولتين الواقعتين في المصب، ومنحتا مصر نفوذًا كبيرًا في ما يتعلق بالمشروعات المقامة في دول المنبع.


وترفض إثيوبيا هذه الاتفاقيات، مشيرة إلى أنها لم تكن طرفًا فيها، وبالتالي لا يمكن إلزامها بترتيبات تعود إلى الحقبة الاستعمارية واستبعدت دول المنبع، رغم مساهمتها بنحو 85% من تدفق النيل الأزرق.


وفي عام 2015، وقعت مصر والسودان وإثيوبيا إعلان مبادئ، وتعهدت الدول الثلاث بالتعاون وتجنب إحداث ضرر جسيم والسعي إلى حلول تفاوضية بشأن سد النهضة. لكن سنوات من المفاوضات لم تفضِ إلى اتفاق ملزم بشأن ملء خزان السد وتشغيله على المدى الطويل، ما أبقى الخلافات الأساسية دون حل.

 


السدود الإثيوبية الجديدة والتحدي الاستراتيجي أمام مصر


ازدادت أهمية النزاع بعد تقارير عن خطط إثيوبية لإحياء ثلاثة مشروعات إضافية للطاقة الكهرومائية على النيل الأزرق، وهي كارادوبى ومندايا وبيكو أبو.


ورغم بقاء هذه المشروعات في مرحلة التخطيط وإمكانية تغير مواصفاتها الفنية النهائية، فإنها تعكس التزام إثيوبيا طويل الأمد بتوسيع مشروعات الطاقة الكهرومائية في حوض النيل الأزرق.


وتحول التحدي أمام مصر من محاولة منع بناء السدود إلى السعي للتأثير في كيفية تصميم السدود المستقبلية وملء خزاناتها وتشغيلها. وأظهرت تجربة سد النهضة أن الضغوط الدبلوماسية وحدها لم تستطع وقف المشروع الإثيوبي الرئيسي. ولذلك تسعى القاهرة حاليًا إلى تعزيز الشفافية، والحصول على إخطار مسبق، ووضع قواعد تشغيل ملزمة، وإنشاء آليات فعالة لإدارة فترات الجفاف، سواء بالنسبة إلى البنية التحتية القائمة أو المشروعات المستقبلية.


وتتمثل أقوى أدوات النفوذ المصرية في الدبلوماسية وليس الإكراه. وتظل مواصلة التعاون مع السودان، والانخراط عبر المؤسسات الإفريقية والدولية، والسعي إلى ضمان اتفاقات ملزمة قانونيًا بشأن تشغيل السد، أبرز أدوات السياسة المصرية.

 


موقف السودان من النزاع


يشغل السودان موقعًا فريدًا بين الطرفين المتنافسين. ففي حين يشارك الخرطوم مصر مخاوفها بشأن سلامة السد وتبادل المعلومات والتنسيق في إدارة المياه، يمكن للسودان أيضًا الاستفادة من استقرار تدفقات النهر، والحد من الفيضانات، والحصول على كهرباء إثيوبية منخفضة التكلفة.


لكن الصراع الداخلي المستمر في السودان قيد دوره الدبلوماسي بدرجة كبيرة، وحد من قدرته على التأثير بصورة فاعلة في المفاوضات، رغم تأثره المباشر بالتطورات المتعلقة بالنيل الأزرق.


ومع مواصلة إثيوبيا تطوير مشروعات إضافية للطاقة الكهرومائية، سيتمثل التحدي الرئيسي أمام جميع الأطراف في وضع آليات شفافة وقابلة للتنبؤ وتعاونية لتنظيم تشغيل السدود. وسيتوقف مستقبل حوض النيل بدرجة كبيرة على قدرة إثيوبيا ومصر والسودان على التوفيق بين طموحات التنمية والمسؤولية المشتركة عن إدارة أحد أهم الأنهار العابرة للحدود في العالم.

 

https://www.thebeiruter.com/article/can-egypt-invoke-self-defense-concerning-the-gerd-dispute/2472